الثورة الزاباتستية ومناهضة العولمة

بقلم: جمال توفيق : المصدر

في يناير 1994 وفور اتفاقية النافتا للتجارة الحرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك حاملة معها وعودًا زائفة بالرخاء في المكسيك، وبينما كان الرئيس المكسيكي كارلوس سالينا يستعد لنهاية فترة ولايته في أغسطس عام 1994، وفي وقت كانت بيروقراطية الأمم المتحدة تناقش فيه وعد – كاذب – قديم برعاية حقوق الشعوب الأصلية من الهنود الحمر بالمكسيك، دفعت وحشية الأوضاع الفلاحين الفقراء في جنوب المكسيك إلى حمل السلاح كرجال عصابات بقيادة جيش الزاباتيستا للتحرير الوطني. فما هي أسباب هذه الانتفاضية؟ ولماذا لجأ هؤلاء الفلاحين لحرب العصابات كطريق للتغيير؟ وكيف انتهت الانتفاضة المسلحة نهاية إصلاحية؟ وأين كانت الطبقة العاملة منها؟ هذا ما ستحاول هذه المقالة الإجابة عليه. كما ستحاول الاقتراب من جذور هذا الحدث للرد على أولئك الذين يروجون لوهم تحقيق التغيير بدون الطبقة العاملة، ويرون أن الفلاحين كطبقة بإمكانها أن تقود التغيير الاشتراكي الثوري من خلال حرب العصابات.

الفقراء المسلحون يهبون في وجه الظلم
استيقظت المكسيك في يناير 1994 على قيام الميجور ماريو على رأس 800 رجل من أفراد جيش زاباتا بالهجوم على مدينة أوكوسينجو البالغ عددها 30 ألف نسمة والواقعة وسط ولاية شيباس. في نفس الوقت قام الزعيم الهندي الأحمر ماركوس بشن هجومه على مدينة سان كريستوبال. أسفر الهجوم المسلح عن احتلال جيش الهنود الحمر لستة مدن بولاية شيباس واستيلائه على مبنى الإذاعة وإشعاله النيران في عدد من المباني الحكومية، وقطعة لخطوط الكهرباء والهاتف بالمنطقة. بعد ذلك، أصدر الثوار بيانًا أعلنوا فيه الحرب على الحكومة المكسيكية، وهددوا بالزحف نحو العاصمة مكسيكو سيتي، وطالبوا بتقديم كبار المسئولين العسكريين للمحاكمة لارتكابهم جرائم بشعة في حق الهنود الحمر سكان البلاد الأصليين.

وجد الزاباتيون أن موعد بدء تطبيق اتفاقية النافتا اتفاقية يمثل فرصة ذهبية لإعلان انتفاضتهم. فهدف الاتفاقية هو جذب المستثمرين الأمريكيين والمكسيكيين وغيرهم للاستثمار في المكسيك من أجل دفع عجلة التراكم الرأسمالي إلى الأمام. في هذا الوقت كان حرص الولايات المتحدة والبرجوازية المكسيكية على توافر أسباب الاستقرار والأمن في المكسيك بتزايد. فاختار الزاباتيون تاريخ أول يناير 1994 لتأكدهم من أن ثورتهم – في مثل هذه الظروف – سوف تجتذب أكبر قدر من الانتباه. وكانوا يتوقعون عدم لجوء الحكومة لأسلوب القمع لوأد الحركة في ظل قرب موعد الانتخابات الرئاسية في أغسطس من نفس العام، حيث كان تدخل الحكومة بالقمع يعني تقليل فرص الحزب الدستوري الثوري الحاكم للفوز في الانتخابات.

وهكذا، شنت قوات الزاباتيستا هجومًا مسلحًا على قاعدة عسكرية بمنطقة رانشوفو بعد انسحابها من مدينة سان كريستوبال، كما شنت هجومًا على أحد السجون وأطلقت سراح 178 سجينًا. ثم اختطفت الحاكم السابق للولاية وبعض أفراد عائلته. وبينما استمرت الهجمات المكثفة على قاعدة رانشوفو، قام المزارعون بتحطيم مبنى المجلس المحلي بالمطارق في مدينة التاميراند، كما أقاموا المتاريس في عدد من القرى.

وكرد فعل أولى على الانتفاضة، قامت الحكومة – وبالتزامن مع بدء تدخل الجيش – باستخدام عدة تكتيكات لإفشالها، بدأت هذه التكتيكات بإعلان الحكومة أن طريقة تدريب المزارعين وإمداداتهم من الأسلحة تؤكد وجود علاقة بينهم وبين المتمردين اليساريين في جواتيمالا وجماعات أخرى في أمريكا الوسطى. وهذا ما نفاه المزارعون. ثم حاول الرئيس سالينا ثانيًا تفتيت تضامن الفلاحين الزاباتيين، فأعلن في بداية الانتفاضة أنه يبحث أمر العفو عن بعض المشاركين فيها وأن العفو سيشمل الذين تعرضوا للخداع أو أجبروا على الانضمام لما يسمى “بجيش الزاباتيستا للتحرير الوطني”.

ولكن بعد أسبوع واحد من بدء القتال، كان المزارعون قد نجحوا في اقتلاع برجين للكهرباء في وسط المكسيك، وفي إسقاط ثلاثة طائرات استطلاعية بالإضافة إلى طائرتي هليوكوبتر كانتا تحملان إمدادات طبية للجيش المكسيكي في المناطق المحيطة بشيباس. ثم تلا ذلك إعلان الثوار تهديدهم بالزحف نحو العاصمة في نفس الوقت الذي خلقت فيه الانتفاضة قدر من التعاطف الشعبي في العاصمة. إذ نظم ثمانية آلاف من المؤيدين لجيش زاباتيستا في اليوم الثامن للانتفاضة مظاهرة في أحد الشوارع الرئيسية بالعاصمة، وطالبوا الحكومة بالاعتراف بجيش زاباتيستا كخطوة أولى نحو المفاوضات.

وفي ضوء تلك الانتصارات للزاباتيين لجأت الدولة إلى تصعيد المواجهة العنيفة. فكأي حكومة برجوازية تعي جيدًا أن وظيفة الجيوش هي قمع الطبقات المستغلة في المقام الأول، أرسلت الحكومة قوات مكونة من سبعة عشر ألف جندي وبضع عشرات من طائرات الهليوكوبتر ونحو مائة سيارة مصفحة لتنتشر في الجنوب. كما صدرت الأوامر بالتعامل بوحشية شديدة بهدف إعادة النظام مرة أخرى. فقام الجيش المكسيكي بقصف قرى الجنوب بالطائرات والمدفعية لصعوبة “اصطياد” الزاباتيين داخل الغابات والأحراش، وقام أيضًا بقصف أحد المستشفيات. دفع هذا القصف المتمردين إلى الفرار للمرتفعات، وتمكنت قوات الجيش من تحرير أربع مدن من الست التي كان قد احتلها الهنود الحمر. أدى ذلك بالهنود إلى إعلان الفوري عن أنهم في مرحلة إعادة تنظيم للقوات ولكنهم لم ينسجوا. كما أدى أيضًا إلى قتل عدد كبير من المدنيين. حيث وصل العدد الإجمالي للقتلى في نهاية التمرد إلى أكثر من 400 قتيل حسبما أكدت مصادر الكنيسة، وأكثر من 1،2 طبقًا لما جاء في بيانات الحكومة. وبعد ذلك شهدت العاصمة عدة انفجارات قام بها جيش الزاباتيستا أمام معسكرات الجيش ودمرت فيها إحدى المباني الحكومية.

ولكن بالرغم من تصعيد القمع فقد كان اقتراب الثوار من العاصمة أو حتى استمرار الانتفاضة يعني الكثير من الخسائر بالنسبة للحكومة والرئيس المكسيكي. فهذه الانتفاضة كانت تعني تهديدًا لمشاركة المكسيك في اتفاقية النافتا. وكان تطورها وتحولها إلى حرب عصابات طويلة الأمد أو حركة احتجاج مدني واسع – مثلمًا حدث من قبل في السلفادور وجواتيمالا وبعض دول أمريكا الوسطى – أمرًا يفيد المعارضة في مواجهة الحزب الحاكم وذلك قبيل الانتخابات التي كان موعدها بعد سبعة أشهر فقط من قيام الانتفاضة المسلحة. دفع هذا كله الرئيس المكسيكي إلى التراجع وإعلان اعتذاره عن سوء الأحوال المعيشية التي يعاني منها سكان البلاد في ولاية شيباس. وما لبث الرئيس أن أقال وزير الداخلية جونزاليس جاريدو صاحب السجل الأسود خلال فترة حكمه للولاية والذي يوصف بالطاغية. وأكد بعد 13 يوم من الانتفاضة وقف العمليات العسكرية مؤكدًا عدم مبادرة قوات الجيش بأية عمليات جديدة ما لم تتعرض لاستفزازات من قبل المتمردين. ثم قامت الحكومة بإصدار بيان تعبر فيه عن استعدادها للتفاوض مؤكدة بذلك تنكرها لكل الاتهامات الموجهة لها.

ما هي الجذور الحقيقية للانتفاضة؟
لم تأت الانتفاضة من فراغ، وإنما كانت نتيجة مباشرة للغليان الطبقي في المكسيك. فلقد كان للحكومة المكسيكية – بطبيعة الحال – دور بارز في تسهيل استغلال البرجوازية المكسيكية للفقراء، وخاصة هؤلاء الذين يعيشون في الريف الجنوبي، عبر السياسات الرأسمالية الليبرالية المتوحشة. وبالرغم من هذا الاستغلال البشع الذي يعاني منه الفلاحين الفقراء من الهنود الحمر، غابت القوى السياسية، وخاصة المعارضة اليسارية، عن الساحة وعن طرح أي بديل اشتراكي يمكن أن يقود الطبقات المقهورة للمطالبة بحقوقها. فكيف كانت الصورة عشية انتفاضة الزاباتيستا؟

ترجع جذور استفحال التناقضات الطبقية في المكسيك إلى بدء الحكومة في إتباع سياسات السوق الحر المتعسفة على يد الرئيس دي لا مدريد في بداية الثمانينات. في تلك الأثناء، وبالتحديد في عام 1982، كان الاقتصاد المكسيكي يواجه أزمة الديون الشهيرة؛ ولمواجهتها قامت الحكومة بالشروع في تطبيق سياسات السوق الحر من أجل إعطاء ثقة كبيرة للرأسمالية المكسيكية. تخلصت الحكومة من العديد من الأعباء والالتزامات التي وضعتها على عاتقها وقت قيادتها لعملية التنمية قبل بداية الثمانينات. هذا البرنامج الليبرالي المتشدد، الذي استكمله الرئيس سالينا عندما جاء للحكم، حمل في طياته رفع نسبة البطالة بمعدلات كبيرة. كما أن البلايين الكثيرة التي جاءت من الخارج (سبعين بليون دولار) لتشجيع الاستثمار، ذهب معظمها لشراء أسهم في المؤسسات المباعة وخاصة البنوك والشركة القومية للتليفونات والشركات الأخرى الخاصة، ولم يذهب منها سوى عشرة بلايين فقط للاستثمارات المحلية.

كانت لهذه السياسات أثارها السلبية على الجنوب الذي تتركز فيه الزراعة. وبينما كان المزارعون الفقراء من الهنود يعيشون في فقر مدقع كان الرأسماليون في قطاع الصناعات الزراعية يراكمون أرباحًا هائلة في عام 1996 كان يعمل في تلك الصناعة أكثر من 900 ألف عامل، بينما كان ذلك العدد ثلاثة ألاف ونصف عامل فقط عام 1965. وكانت الحكومة تساعد باستمرار هذه الصناعة – التي يملكها 44% من الرأسمال المكسيكي و55% من الرأسمال الأمريكي – باستمرار ذلك بإعطائها التسهيلات باستيراد الميكنة اللازمة لها وباستفادتها من ميزات رخص العمالة المكسيكية. وكانت المفارقة أنه في نفس الوقت الذي كانت فيه الحكومة الرأسمالية بالمكسيك تدعم بكل قوة اقتصاديات السوق الحر، أصبح النمو يعتمد أكثر فأكثر على صنع فجوة كبيرة بين كل من الشمال والجنوب المكسيكي. وبدأ يتشكل في الجنوب مشهدًا آخر لدولة أخرى تعتمد بالأساس على الاقتصاد الزراعي، وخاصة في ولاية شيباس – حيث قامت الانتفاضة – بالإضافة إلى أوكساكا وجيريوريو حيث يعمل العمال والفلاحين من الهنود الحمر في غالبيتهم في أعمال مثل الزراعة وصيد الأسماك والحيوانات وقطع الأشجار. بمعنى آخر، يمكن أن نطلق على هذا الوضع ما وصفه تروتسكي بقانون التطور المركب واللا متكافئ.

وهناك مئات الأمثلة التي يظهر فيها استنزاف الجنوب والتفاوت الصارخ بين الشمال والجنوب في المكسيك. فعلى سبيل المثال، بينما تنتج ولاية شيباس ثلاثة أخماس ما تنتجه المكسيك من البن ويعمل في هذه الصناعة 87000 عامل من الولاية، لا يجني هؤلاء المنتجون الحقيقيون من الطبقة العاملة سوى بضعة مئات من البيزو (عملة الدولة) في حين أن الآلاف تذهب لدفع ديون المؤسسات النقدية الدولية وأثرياء الشمال. كما يكفي أن نعرف أنه في حين تأتي 55% من الاحتياجات الرأسمالية للطاقة في المكسيك من إقليم شيباس، تحصل ثلث منازل هذا الإقليم فقط على كهرباء لإضاءة المنازل.

بدائل التغيير والثورة في المكسيك
نذكر هنا أن حرب العصابات لم تكن أسلوبًا جديدًا على المكسيك. فلقد سبق أن قامت الثورة المكسيكية على أكتاف الحركة المسلحة بقيادة زعيم الهنود الحمر السابق امليانو زاباتا من عام 1910 إلى 1920 دفاعًا عن ملكية السكان الأصليين للأراضي الزراعية، ورافعة لشعار “الحرية .. الأرض .. والموت لملاك الأراضي”. وقد استمر تراث حرب العصابات مع “المنظمة الماوية للسياسة الشعبية”، التي نشأت أيام الحركة الطلابية الراديكالية التي برزت عام 1968، وقامت فيها الحكومة بمذبحة بشعة في قلب مدينة الألعاب الرياضية بمكسيكو سيتي حيث قتلت 500 طالب. على خلفية هذا التراث، وعلى خلفية تراجع الحركة العمالية، برز تنظيم الزاباتيستا الذي يعتمد على أفكار عامة عن الحياة وسط الجماهير الشعبية ومحاولة تنظيمها وتعبئتها. ومن ناحية أخرى، اعتبر الزاباتيون نموذج الثورة الكوبية مثالاً لهم. ظهر ذلك بوضوح مثلاً في قوانين القتال الثورية التي أعلنت في بداية انتفاضة 1994 والتي تضمنت قواعد عديدة لمعاملة المرأة والمدنيين وغير ذلك، بالإضافة إلى قوانين الديمقراطية الشعبية.

وفي هذا السياق، ربما يكون التساؤل الذي يطرح نفسه الآن هو ماذا كان وضع الطبقة العاملة المكسيكية عشية الانتفاضة. وهل كانت هناك بدائل أخرى لطريق حرب العصابات؟

استطاعت الدولة على مدى سنوات أن تستوعب وتقضي على استقلالية الحركة العمالية المكسيكية. وكانت أدوات احتواء هذه الحركة هي مزيج من القمع مع تدجين وشراء البيروقراطية النقابية الصفراء. ولذلك لم تشهد المكسيك حركات عمالية ونقابات مستقلة نسبيًا إلا في مرحلة متأخرة. وفي سنوات الثمانينات والتسعينات اتبعت الحكومة سياسة وأد وعرقلة جميع الإضرابات في أماكن حدوثها وعدم تصعيدها، كما أحكمت سيطرتها على كل العقود العمالية في جميع الشركات التي تدار بواسطتها. ولذلك مثلاً نرى أن عدد الإضرابات قد انخفض في عام 1992 إلى 159 إضراب بينما كان قد وصل إلى 875 إضراب في عام 1982.

نجد أيضًا أن الحزب الحاكم الذي يقود البلاد منذ عام 1928 يسيطر تمامًا على منظمات الفلاحين والنقابات والجيش والصحافة والبوليس. ويدعم حزب العمل الديمقراطي (يمين الحزب الحاكم) بغير حدود الإجراءات الليبرالية للحكومة. أما بالنسبة لليسار المكسيكي، فنراه غارقًا في متاهة عمليات الانتخابات المتلاحقة. فعلى الرغم من وجود بعض الفروق في درجة راديكالية الأحزاب الاشتراكية في المكسيك (وعددها 6 أحزاب)، لم تستطع هذه الأحزاب أن تقود الطبقة العاملة وأن تشكل البديل الثوري لانتفاضة الزاباتيستا. لم يقم اليسار كذلك بدور بارز لفضح الدور الذي تلعبه الحكومة المكسيكية في خدمة البرجوازية المكسيكية وآثار سياساتها على فقراء الجنوب، وعلاقة هذا وذاك بسيطرة الحكومة على ربع الطبقة العاملة المكسيكية في الشمال. فالمعارضة اليسارية تنشط أثناء الانتخابات فقط، حتى أنها نجحت في انتخابات 1994 في تنظيم مظاهرة ضمت حوالي 50 ألف مكسيكي احتجاجًا على تزوير الانتخابات. يوضح ذلك كله، أنه بينما كانت الرأسمالية المكسيكية تزداد شراسة في قمع واستغلال الجنوب وكانت الحكومة تسيطر عن طريق النقابات على جزء كبير من الطبقة العاملة، لم يستطع اليسار المكسيكي أن يملأ الفراغ ويشكل بديل ثوري حقيقي أمام انتفاضة الزاباتيستا.

كيف انتهت الانتفاضة نهاية إصلاحية؟
كانت الحلول الإصلاحية دائمًا عاتقًا أمام تطور طريق الزاباتيستا. ظهر بصورة واضحة في النتيجة التي آلت إليها الانتفاضة. فبعد عامين من بدء حركة الزاباتيسيا كانت الحصيلة الحقيقية هي “إعلانات متكررة لحقوق السكان الأصليين من الهنود الحمر”!! وعلى الرغم من وجود مساحة كبيرة من التعاطف العام بين المكسيكيين مع الزاباتيسيا، إلا أن حركتهم كانت دائمًا تستبعد الأغلبية المقهورة من اهتماماتها. لم تقدم حركة الزاباتيسيا للطبقة العاملة المكسيكية سوى خطوط واسعة مشوشة من نقد سياسات الليبرالية الجديدة، هذا إضافة إلى إستراتيجية الجبهة الواسعة للقتال من أجل الديمقراطية مع المثقفين ورجال الأعمال المتوسطين والصغار والطلاب والفلاحين والنساء.

بعد ثورة يناير 1994 طلب عدد كبير من العمال الانضمام إلى جيش الزاباتيستا للتحرير الوطني. إلا أنه وعلى الرغم من ذلك فإن الزاباتيستا لم يأخذوا في الحسبان المطالب الطبقية للعمال في المدن الحضرية جنبًا إلى جنب مع تلك المتعلقة بفلاحي سيباس. وعلى الرغم من الانتصار النسبي لرجال الزاباتيستا في الانتفاضة المسلحة، إلا أنهم ارتضوا أن يخوضوا مفاوضات سلام مع الحكومة. ووافق الطرفان على رجل دين هو صموئيل رويث كوسيط رسمي بين جيش الزاباتيين والحكومة، بالإضافة إلى مفوض رسمي للسلام هو مانويل كاموشو سوليس، والذي كان وزيرًا للخارجية واستقال ليتفرغ للحوار مع الهنود الحمر. واتخذت المفاوضات طرق طويلة وشهدت شد وجذب. إذ أنها بدأت بعد ثلاثة أسابيع من الانتفاضة في يناير 1994، وانتهت في فبراير 1996! وأثناء المفاوضات قامت قوات الزاباتيستا ببعض التمردات (منها التمرد الصغير في ذكرى مرور عام على الانتفاضة في يناير 1994)، ولوحت مرارًا باستخدام القوة.

خلال المفاوضات نجحت الحكومة ف استدراج الثوريين إلى طريق لا ينتهي؛ طريق سبيه بالمفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين. بدأ الأمر بتعقيدات إجرائية لا تتناول هدف الانتفاضة

ذاته، مثل التفاوض على اعتراف الحكومة بأنهم قوة عسكرية وسياسية في البلاد، والمطالبة بإطلاق سراح الفلاحين المحتجزين لدى الجيش المكسيكي في مقابل إطلاق سراح حاكم شيباس… الخ. بعدها تم الاتفاق على شروط الحوار وعلى الوقف الكامل لإطلاق النار وعودة القوات المكسيكية إلى الثكنات. تخلت الحكومة أيضًا عن شرطها بتخلي الهنود عن السلاح فبل التفاوض، وأعلنت أن جدول أعمال مباحثات التفاوض سوف يتكون من المطالب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية للهنود الحمر.

وقد تقدم الهنود بحوالي اثنين وثلاثين طلبًا للجنة المفاوضات تشتمل أغلبيتها على تحسن مستوى معيشتهم، وتوفير فرص للتعليم والرعاية الصحية ومعالجة البطالة وتعديل شرط المعيشة للفلاحين في شيباس، وخاصة إعادة الأراضي الزراعية المسلوبة إلى مالكيها الأصليين من الفلاحين، بالإضافة إلى زيادة النفقات العامة والتوسع في الخدمات عن طريق بناء مستشفيات ومدارس ومساكن. كذلك تضمنت مطالبهم أبعد إصلاحية أعم هي إجراء انتخابات رئاسية نظيفة وإعطاء فرصة حقيقية لأحزاب المعارضة للتعبير عن رأيها فضلاً عن وجود حركة إصلاح ديمقراطي للنظام السياسي القائم. ووصل الأمر إلى المطالبة بإقالة الرئيس سالينا من منصبه وثلاثة آخرين من المسئولين المباشرين في حكومة ولاية شيباس وإجراء تعديلات في النظام الديمقراطي.

وبالطبع فقد اكتفت الحكومة بوعد الهنود بمناقشة المطالب الخاصة بحياة المواطنين في شيباس وزيادة النفقات العامة التي تصرف على الخدمات بالإقليم، كما وعدت بإقامة محكمة للدفاع عن الهنود الحمر وإصدار قانون ملائم للعرف والتقاليد السائدة. ولم تستجب لمطالبهم الأكثر راديكالية مثل إقالة الرئيس سالينا وإجراء تعديلات في نظام الانتخابات المباشر في شيباس، ولكنها اكتفت بتقديم وعد بتعديل نظام الانتخابات ومناقشته مع أحزاب المعارضة.

أدى هذا إلى اهتزاز موقف تلك الحركة الفلاحية المسلحة وفقدانها الكثير من المساندة الشعبية التي كانت تحظى بها في البداية. لقد وجد هؤلاء أنفسهم بين شقي الرحي. فإذا وافقوا على حلول الحكومة بشكل نهائي فقدوا قوتهم التفاوضية ودرجة المساندة الشعبية التي اكتسبوها، كما أنهم لا يستطيعون الانسحاب من المفاوضات بعد أن وافقوا عليها منذ البداية. ولم يستطع هؤلاء في آخر الأمر سوى عدم الموافقة النهائية على كل اقتراحات الحكومة.

وقبل الانتخابات الرئاسية في أغسطس 1994، والتي لم تخلُ من تزوير كما ثبت بعد ذلك، نظم الزاباتيستا مؤتمر قومي باسم المؤتمر القومي الديمقراطي حيث ضم 6000 شخص من النشطاء في المواقع الشعبية، وكان المؤتمر محاولة من الزاباتيستا للتأثير على صفوف اليسار قبل الانتخابات. ولكن جاء هذا المؤتمر ليكشف بوضوح عن المنحي الإصلاحي لحركة الزاباتيستا حيث تركزت كل مطالبهم على ضرورة تطبيق إصلاحات ديمقراطية دون أن تتطرق إلى تغييرات أكثر جذرية في النظام الاجتماعي والسياسي. وبينما هدد الزاباتيين قبيل الانتخابات بتفجير العنف إذا تم تزوير الانتخابات، فإن كل ما استطاعوا القيام به بعد إعلان النتيجة هو أنهم سوف “يقيمون نتائج الانتخابات”!

وفي مايو 1995، تم التوصل لما سمي باتفاق الحد الأدنى، والذي يقضي بخفض التوتر العسكري في ولاية شيباس وانسحاب القوات الحكومية منها على أن يقوم المتمردين بحفظ القانون والنظام فيها (هذا الوضع الذي لا يبعد كثيرًا عن إعطاء بعض سلطات الحكم الذاتي للفلسطينيين). وفي فبراير 1996 اتفق الهنود الحمر، والذي تلتزم الحكومة بموجته بالتزامات معينة تجاه سكان الجنوب.

غير أن نقطة الضعف الأساسية لم تكن فقط في تفاصيل المتاهات الإصلاحات التي دخل فيها هؤلاء وإنما أيضًا في المنطق الذي كان يحكمهم منذ البداية وفي فهمهم لعملية الثورة. فهم كفلاحين فقراء كان همهم الأساسي ليس الثورة في المكسيك وإنما بالتحديد تحسين أوضاعهم في الجنوب لأنهم متأثرين بكونهم مجموعة من سكان البلاد الأصليين الذين يتم تجاهلهم وظلمهم. أما الأمر الثاني الهام فقد تمثل في الظروف الدولي الذي لم يكن ليترك هذه الانتفاضة لأن تتطور وتصل إلى فئات أخرى مقهورة من الشعب.

الوضع بعد الانتفاضة وآفاق الثورة
بعد الانتفاضة دخلت حركة جيش الزاباتيستا في متاهات الاستقطاب وتنظيم نفسها مع النقابات ومنظمات المجتمع المدني العاملة في مجال البيئة وحقوق الإنسان للعمل في إطار جبهة واحدة باسم الجبهة المتحدة لتحرير الزاباتيستا. وفي يونيو 1996 عندما وقع حادث قتل لـ 18 فلاح في شيباس خسر جيش الزاباتيستا تعاطف اليسار لصالح جيش الشعب الثوري – وهي منظمة مسلحة أخرى – وذلك في ذات الوقت الذي انحسرت فيه اهتمامات جيش الزاباتيستا في المفاوضات مع الحكومة. شهدت الأعوام التالية لعام الانتفاضة أيضًا ظهور ثلاث منظمات أخرى لحرب العصابات.

هذا التهاوي لحركة الزاباتيستا تزامن مع تصاعد الحركة الجماهيرية في المكسيك. فقد دفعت سياسات التشغيل التي تتبعها الحكومة وعدم إيفائها بوعد تلبيتها لحاجات الفقراء في السكن والعمل بالعمال والعديد من المهنيين للقيام بمظاهرات مستمرة، من أبرزها مظاهرات أول مايو في عيد العمال، والتي تزداد حدتها عامًا بعد آخر. وقد شهدت الفترة من فبراير وحتى أغسطس 1996 – على سبيل المثال – مظاهرات الأكثر من نصف مليون مواطن ضد السياسات الحكومية.

في نفس الوقت أدى ارتفاع وتيرة المعارك الطبقية إلى اشتداد عود المنظمات النقابية المستقلة في المكسيك ومنها مثلاً جبهة ميثاق العمل، والتي تضم من 40 ألف إلى 50 ألف عامل، وأيضًا اتحاد أول مايو الذي يقوده سائقو الأوتوبيسات، وقد بدأ بتنظيم مظاهرة في أول مايو 1995، وأصبحت تقليدًا مستمرًا ويزداد نجاحًا وضخامة عامًا بعد عام.

أن هذا التطور النضالي العمالي في المكسيك يمثل، في الحقيقة، الأمل لحل مشكلة الفقراء والمقهورين. فلن يكون بمقدور فلاحي شيباس الحصول على “الأرض.. والحرية”، إلا في إطار ثورة تقضي على نظام القمع والاستغلال في المكسيك. ثورة تضع نهاية للاستغلال، لا بالمفاوضات أو حرب العصابات (!!)، وإنما بثورة الجماهير من أسفل بقيادة الطبقة العاملة.


Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*


* Please fill in required fields